الشيخ السبحاني

10

رسائل ومقالات

وذلك لأنّ هناك فرقاً بين فرض التكليف على اللَّه ، وبين كشف ما عنده من الحكم من خلال صفاته وكمال ذاته ، فالقائل بالتحسين والتقبيح العقليين لا يفرض على اللَّه تكليفاً إذ أين التراب ورب الأرباب ، بل يستدلّ خلال ما عنده من الصفات على اللزوم والامتناع فيقول : إنّه سبحانه بما هو عادل ، لا يجور على عباده ، وبما انّه حكيم لا يعبث في فعله ، إلى ذلك من الأحكام المستكشفة من خلال دراسة صفاته وسنوضحه - بإذن اللَّه - في المستقبل . هذا حال الباحث في علم الكلام وحاجته إلى تنقيح مسألة التحسين والتقبيح العقليين ، ومثله الباحث في الأخلاق حينما يطرح القيم الأخلاقية على طاولة البحث فيعتمد على تلك القاعدة في تقييم الأفعال الإنسانية من حيث كونه فضيلة أو رذيلة . وليست حاجة الفقيه إلى تلك القاعدة بأقلّ من حاجة الطائفتين ، فانّ خلود الأحكام الفقهية عبر الزمان وكون الشريعة الإسلامية ، خاتمة الشرائع ، رهن القول بالتحسين والتقبيح العقليين ، فكلّ حكم شرعي يستمد ملاكه من تلك القاعدة فهو حكم مؤبّد بتأبيد ملاكه - الحسن والقبح - فلا يتغير ولا يتبدّل ، فانّ الحسن ، حسن على كلّ حال ، والقبيح قبيح كذلك ، والحكم المستمَدّ منه يكون كذلك فالاعتراف بالحسن والقبح العقليّين الأبديّين يُضفى على الأحكام الشرعية المستكشفة بهما ، وصفَ الأبديّة . وأمّا حاجة الأُصولي إلى القاعدة فواضحة جدّاً ، حيث إنّ العقل أحد الأدلّة الأربعة التي يستنبط بها الأحكام ومن أحكامه ، الحكم بحسن الفعل وقبحه مثلًا إذا افترضنا انّ المكلّف شكّ في حكم موضوع بعد الفحص عن مظانّه في الكتاب والسنّة ولم يعثر فيهما على حكمه ، فعند ذاك يستقل العقل بقبح عقاب المكلّف إذا